د. عدالت عبدالله*
حرية الصحافة والإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية تُزعج أحياناً أغلب رؤساء هذه الدولة. فزوايا التغطية للقضايا الداخلية والدولية عادةً ما تثير الرأي العام وتؤججه، خصوصاً في وجه مخططات أو سياسات معينة تسعى الإدارات الأمريكية إلى تحقيقها. وفي مقدمة الرؤساء المنزعجين من الإعلام الأمريكي، دون شك، الرئيس دونالد ترامب، المعروف بخلافاته واستيائه المتكرر من كثير مما ينشره ويبثه الإعلام الأمريكي حول الملفات الداخلية والخارجية، وملف الحرب الأمريكية/الإسرائيلية–الإيرانية الحالية على وجه الخصوص.
دور الصحافة والإعلام في هذا البلد وتجاربها التاريخية عززا بشكل لافت مكانة المجتمع المدني في أمريكا. فلا أحد ينسى أن العامل الأكثر فاعلية في إطلاق احتجاجات شعبية عارمة في الولايات المتحدة ضد دعم إدارة ترامب للعدوان الإسرائيلي على شعب غزة تمثل في الإعلام الأمريكي. وفعلاً، ثمة عدد لا بأس به من الصحف والقنوات الإعلامية الكبرى التي تُعرف بتغطيتها النقدية أو المتشددة تجاه سياسات الرئيس الأمريكي. وهذه المؤسسات لا تتبنى موقفاً واحداً بالضرورة، لكنها كثيراً ما تنشر تقارير وتحليلات تنتقد سياسات ترامب الداخلية والخارجية، الأمر الذي جعل ترامب يتريث أحياناً في تنفيذ ما يتطلع إليه، تحسباً لتغيّر غير مرغوب فيه في الرأي العام المتأثر بالإعلام الأمريكي. وفي هذا السياق، لاحظنا كمراقبين سياسيين في إقليم كردستان، في الأيام الماضية، توجهاً طاغياً في الصحافة والإعلام الأمريكي بخصوص مسألة دعم الكُرد للدخول في الحرب ضد إيران، تمثل في الدعوة إلى ضرورة إبعادهم عن هذه الحرب المدمرة، فضلاً عن التذكير بعدة أمور أخرى بلغة نقدية لم تكن موجهة بالأساس إلى إدارة ترامب وحدها، وإنما أيضاً إلى تاريخ تعاطي الولايات المتحدة وإداراتها مع الملف الكُردي. ومن أبرز الأمور التي أشارت إليها، على سبيل المثال لا الحصر، صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية مسألة تشجيع الكُرد ودفعهم إلى الحرب ثم التخلي عنهم لاحقاً، على غرار ما فعلت الولايات المتحدة معهم في الملف السوري وحتى مع جماعات أخرى مختلفة على مدى عقود، كشيعة العراق في التسعينيات مثلاً، مؤكدة أن “مثل هذا التخلي يكلف أمريكا الكثير من سمعتها ومن أرواح أبنائها”.
ومن جانب آخر، اهتم الإعلام الأمريكي أثناء هذه الحرب بتداعياتها أيضاً على القومية الكُردية في المنطقة برمتها. ولم يقف الأمر عند حد إثارة مخاطر تجييش المعارضة الإيرانية الكُردية، وإنما امتد إلى مسألة الحفاظ على تجربة إقليم كردستان العراق. إذ حذرت “وول ستريت جورنال” ترامب بقوة من آثار المواجهة بين الكُرد والنظام في إيران على استقلالية إقليم كُردستان، التي دفع الكُرد في سبيلها أثماناً غالية، مشيرة إلى أن الكُرد في العراق تربطهم علاقات طيبة مع تركيا، وأن الحديث عن توسع الدولة الكُردية من شأنه أن يؤثر سلباً في تلك العلاقات. والتحذير الصادر عن هذه الصحيفة كان – في تقديرنا – في منتهى الدقة، نظراً للموقف التركي الملتهب والرافض لأي تدخل من إقليم كُردستان في هذه الحرب، فضلاً عن تهديدات طهران نفسها بهذا الشأن. وهذا يعني أن الإعلام الأمريكي ذكر أموراً معقدة لإدارة ترامب عليه ان يحسب لها الحساب. وليس هذا فحسب، وإنما لفت انتباه الرجل البرتقالي إلى بُعد آخر من أبعاد مساوئ تجييش الكُرد ضد إيران، وهو إمكانية استغلال طهران للنعرة القومية الإيرانية، مشيرة إلى أن العرقية الفارسية تمثل نحو نصف تعداد سكان البلاد، وأنه حتى أولئك الكارهين للنظام الإيراني لا يرغبون في نهاية المطاف في تقسيم بلادهم أو في رؤيتها تنزلق إلى مستنقع الحرب الأهلية. وهذا البعد الذي أثاره الإعلام الأمريكي هو في رأينا مُلهم من التجربة العراقية، التي تشهد أحياناً استقطاباً قومياً لبعض القوى العربية السنية والشيعية في بعض الملفات المرتبطة بالكُرد في العراق، ما يجعل الكُرد يتراجعون ويطرحون قضاياهم في سياق عراقي ودستوري تجنباً للفتنة.
*مراقب إعلامي وأكاديمي كردي في معهد كردستان التقني











